أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

مقدمة 35

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

التامّة ، لعوامل مرتبطة بالطبع البشري . أمّا في ما يتعلّق بهذا الكتاب ، فإنّ نفس اختيار محمّد باقر الصدر موضوعاً لدراسة تأريخيّة من هذا القبيل ، كفيلٌ بأن ينأى بالبحث عن الموضوعيّة التي يتوقّعها القارئ المثالي ، والتي لن يجدها في أيّ كتاب على الإطلاق ؛ لأنّ العواطف والمتبنّيات والنشأة البيئيّة والفكريّة و . . . كلّها تدخل في آليات التعامل مع الموضوعات محلّ البحث . بل حتّى عمليّة الاجتهاد الفقهي التي يمارسها الفقهاء لا يُمكن أن توصف بالموضوعيّة المطلقة ، ولا يُمكن أن تسلم من الذاتيّة التي يمارسها الفقيه انطلاقاً من ظروفه الخاصّة ، وهو ما يصرّح به الشهيد الصدر ( ره ) نفسه في ( اقتصادنا ) ، وما ألمح إليه الشهيد مرتضى المطهّري ( ره ) في بعض محاضراته « 1 » . فما ينبغي أن يكون واضحاً بادئ الأمر أنّ الحديث عن الموضوعيّة حديثٌ نسبي . وبعد هذا أشير إلى أنّني تجنّبتُ في هذا الكتاب التعليق معياريّاً على ما جاء فيه من تأريخٍ للوقائع والأحداث ، وأقصد من التعليق المعياري الحكم بالسلب والإيجاب ، بمعنى أنّ هذا مصيب وذاك مخطئ ، اللهمّ شذرات لا ربط لي بها ممّا نقلته عن الآخرين ضمن نصوص لم أستطع فيها عزل الجانب المعلوماتي والاكتفاء به . ولستُ أذكرُ الآن مورداً واحداً عكستُ فيه انطباعاتي الشخصيّة حول مجريات التاريخ ، سوى ما قد يستشفُّ من بعض العناوين وأبيات الشعر . أمّا تحقيق الحدث تاريخيّاً وقبول شهادة وردّ أخرى ، فليس من الحديث المعياري الذي نحن بصدد الإشارة إليه . إذن ، لقد اكتفيتُ بعرض الحدث دون جعله موضوعاً لدراسة معياريّة . وما قد يحسبه القارئ كذلك ممّا ورد مفصّلًا في بعض هوامش الكتاب هو في الحقيقة تحليليٌّ توصيفيٌّ غيرُ معياري ، بمعنى أنّ الجهد قد انصبّ فيه على تحليل بعض الظواهر ومحاولة اكتشاف مناشئها التاريخيّة وفهم طبيعتها ، وهذا في نفسه أجنبيٌّ عن الدراسات المعياريّة التي فيها حكمٌ بالسلب أو الإيجاب ، أعني بالخطأ أو الصواب . وبتعبير علمي يلامس كتابات الشهيد الصدر الأصوليّة ، فإنّ التفريق بين الكتابة التحليليّة وبين الكتابة المعياريّة يشابه إلى حدٍّ كبير تفريق السيّد الصدر بين القضايا التحليليّة وبين القضايا التركيبيّة في الدليل العقلي من حلقتيه الأصوليّتين الثانية والثالثة . التدقيق في النقل لقد بذلت جهدي في نقل المعلومات من مصادرها بشكل دقيق . وقد بالغتُ في التدقيق في ما نقلته مشافهةً أيّما مبالغة - خاصّةً وأنّي كنتُ أسجّل أكثر ذلك صوتيّاً وبإذن المعنيّين - ولم أتصرّف فيه إلّا بحدود تعديل بعض الكلمات حفاظاً على سلامة العبارة نفسها ، وهذا نادرٌ جدّاً ولا يطال أصل المعلومة على الإطلاق . ومن هذا المنطلق فأنا لا أحبُّ لأحدٍ نقلتُ عنه مشافهةً في الكتاب أن

--> ( 1 ) اقتصادنا ( ط . المؤتمر ) : 448 وما بعد ؛ أصل اجتهاد در اسلام ( فارسي ) ، مجموعه آثار 181 : 20 .